يا ليْت قوْمي يعْلمون!

إنـها وقفة تأمّلية نتدبّر خلالها بعضَ الـمـواصفات الـمثيرة التي نعت بها الـمصطفى صلّى الله عليه وسلّم الإمامَ الـمهدي،تلك الشّخصيّةَ التي من تعاليمها نستمدّ الحلول الناجعة للأزمات التي يتخبّط تحت وطأتها عالـمُنا المعاصر. وذلك من باب معرفة الشجرة قبل الثـمرة! وهي مواصفات تعكس الـمزايا الفائقة التي يـمتاز بها إمام المجدّدين و تتّسم بها تعاليـمــه التي بتطبيقها يعود للأرض خيرها وصلاحها.

إنّ التّأسّي بالـمـصطفى صلى الله عليه وسلم والاهتداء بهديه لخير حـمـاية من الزيغ عن الصراط المستقيم (و إن تطيعوه تهتدوا)[1]. وما نال رجال الله مراتبهم العالية و مناقبهم الجليلة إلا باقتفاء أثره ومحاولة انتهاج منهجه صلّى الله عليه وسلم:

                   نالوا بقفْو الذي جاء الأمين به         عليه منه صلاتي كلَّ ساعـاتِ

                   من المناقب مالا يحـتوي قلــــمٌ          ولا لسانٌ بخطّ أو حكــــاياتِ[2]

و إذا اسْتَعرضْنا شهادةَ المصطفى صلّى الله عليه وسلم  بأنّ قـفْـوَ الإمام المهدي لأثر النّبي قَفْــوٌ لا يعرفُ خطأً،أدركنا أنّ الإمام المهدي هو خير مجسّد للسنة النبوية في خاتمة الأزمنة ، وأنّ اتّـباع تعاليمه هو الملجأ لكل من يروم المسير على درب الرسول ؛ ففي شأنه قال النبي صلّى الله عليه وسلم: "المهدي يقْـفــو أثري ولا يـُخـْطئ"[3] . وهو الشخص الوحيد الذي شهد له المصطفى بـهذا القــفْــو السليم. قال صاحبُ الفتوحات المكّـيّة : "ما نصّ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم على إمام من أئمة الدين يكونُ بعدَه يقْــفُـو أثرَه ولا يُخطئ إلاّ المهدي خاصّة، فقد شهد بعصمته في أحكامه"[4].

  هكذا شاءت المشيئة الرّبّانية أن تكون أحكامُ هذا الإمام معصومةً من الأخطاء؛ لأنه لا يجتهد الرّأي بل يبلّغ الوحي."لأن المجتهد يحكم بالقياس وهو يحرم عليه القياس،و لأن المجتهد قد يخطئ وهو لا يخطئ قطّ؛ فإنه معصوم في أحكامه لشهادة النبي صلّى الله عليه وسلم"[5].

         لقد جعل الله النبي صلى الله عليه وسلم أُسوة للمسلمين جميعهم،لأنه أحسن المخلوقين خُلُقا؛فقد كان يتحلّى من مكارم الأخلاق بـمـا جعل الحقَّ سبحانه يُـثني عليه في قرآنه أجمل الثناء وأطْيبه قائلا جلّ شأنه: (وإنك لعلى خلُق عظيم)[6] . فلقد كانت أخلاقُه ساميةً سـُمُـوّا ينقلب مُتـمنّي بلوغِـه خاسئا وهو حسير. ولذلك خاطبه خديـمُه رضي الله عنه بقوله :

        لبستَ ثياب المجد والفضل والعُلى            وفيك من الأخلاق ما أعجز الكُـــــلاّ[7]

ومع هذا كلّه،فقد وصف النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإمامَ المهدي قائلا: " يُشْبهني في الخُلُق ولا يُشْبهني في الخَلْق"[8] فالمهدي يشبه النّبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال لا في الصورة والشكل[9]. وهنا أتساءل متعجّبا: أيُّ كمالٍ هذا؟! وأيُّ رفعة منزلةٍ هذه؟!

        رُتَبٌ تَســــقـط الأمــــــانـيُّ حَسْرى           دونهــــــــــا ما وراءَهــــــــــــنّ وراءُ[10]

إنّ كون الإمام المهدي شبيهَ المصطفى في خُلقه يعكس عُلُـوّ شأنه و سُـمُوّ مقامه، وأنه حامل لواء الهداية وراية الإرشاد؛ فهو أكرمُ سـَجيّة لأنه مُتخلّق بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأحسنُ سيرة لأن قفْوه لأثره خالصٌ لا يعكّـر صفوَه خطأٌ. ومن اجتمعتْ عنده هاتان المزيّـتان فهو أجدرُ بالاتّباع لمن يرومُ الانتفاع!

         إنّنا نعيش اليوم زمان الجور بلا شكّ؛فالفساد بكل تـمظْهُراته منتشر في جميع أنحاء العالم،والعدل مـهضوم،والناس في حيرة من أمرهم، خابت آمالهم في أن يعود لهذا العالم صلاح. وقد نبـّأنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من أمر الإمام المهدي أنه "يملأ الأرض قسْطا وعدْلا كما مُلئت ظلما وجورا"[11] .وهو نبأٌ يستأهل أن نقف عنده موقف التدبّر ، لأنّ الأسلوب الذي ملأ به الإمام المهدي الأرض عدلا مُنْزاحٌ عن توقّعات كثير من الناس . وقد تنبـّه عَبْدُ الـمُحْسِن العبَّاد إلى نكتة لطيفة في هذا  الحديث النبوي أوردها في كتابه الردُّ على من كذَّب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي حيث قال : "إنّـه لا يلزم من قوله  (يملأها عدلا) انقراضُ الشّرّ؛ فالشّرّ موجود في زمن المهدي، والصّراعُ بين الحقّ و الباطل قائم في زمانه...ويوضّح ذلك أنّ قوله (كما مُلئت جورا) لا يدلّ على انقراض الخير. وإنـما سنّة الله في خلْقه أن يكون الصراعُ بين الحقّ و الباطل في هذه الحياة الدّنيا "[12] .  وقد ذكر العلاّمة مُـحـمـّــد الصَّـغيرْ غَايْ[13] أنّ معنى (يملأ الأرض عدلا) : أنه يأتي بتعاليم و إرشادات لو طبـّقها الخلْقُ وعملوا بـمقتضاها لامتلئتِ  الأرضُ عدلاً بحيث لا يبقى ثـمَّةَ وجود لظلم ولا جور.

         لقد غمس أهلُ هذا الزمان أنفسَهم في بحْرٍ من الضلال يوم أعرضوا عن الضّمان الذي تركه لهم المصطفى صلى الله عليه وسلم و الـمتـمثّلِ في قوله: "تركتُ فيكم ما إن تمـسّكـتم به لن تضلّوا بعدي أبدا: كتابَ الله وسنـّتي "[14] . فقد تغافل الخلْقُ عن سنن النبي صلى الله عليه وسلم في جُلّ تصرّفاتهم ،  وأحدثوا في دينهم كثيرا مما ليس منه. وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أنّ الله " يُـحْيي بالإمام المهدي السّننَ التي أُمِيتتْ "[15] . و يعني هذا أن سلامةَ الأمّة من الضلال كامنةٌ وراء العمل بـمقتـضى تعاليم هذا الإمام ؛ لأنه باعث السّنّة بعد موتها يقاتِل عليها " ولا يترك سنّةً إلا أقامـها ولا بدعةً إلاّ رفعها ، يقومُ بالدين  آخرَ الزمان كما قام به النّبي صلى الله عليه وسلم أوّله "[16] على حدّ تعبير البَـرْزَنْجِـيِّ.

         من هنا تتجلّى قيـمةُ الوصايا التي تركها لنا سيّدُنا إمامُ اللهِ المهدي الذي بعثه مولاه في مستهَلّ القرن الرابع عشر الهجري داعيا إلى الله و مجدّدا لأمر دينه، و أيّده الحقّ سبحانه بالآيات البيـّنات كما أيّد المرسلين قبله بالمعجزات الخارقات..

                   فقــام داعيـــــةً لله خالقـنـــــــــــــــا          يقولُ يا ناسُ إنــّـي مهديُ البشرِ

                  يقول ياقومُ جاء الوعدُ فاغْتنمــــــــوا        ها أنذا المهدي المكتوبُ في السُّفُرِ

                  فأيّد اللهُ ربُّ الخلق مالكُنــــــــــــــا        كــــــــلامَ سيــِّدِنا بآيــــــــــةٍ كِبـَرِ[17]

         وإنها لتعاليم جوهريّة في صورة خُطَب منبريّة رسم بها سيّدُنا إمامُ الله الخطوط العريضة لـمهمّـته التّجديديّة. فكان علينا معشرَ المسلمين الرجوعُ إلى تلكـم التعاليم للاهتداء بهديها والاستنارة من قبسها في عالم الأزمات هذا، حيث الناس يعيشون وسَطَ ظلـمات في بحْـر لـُجِّيٍّ يغْشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه ظلماتٌ بعضُها فوق بعض!

         ما أعظمَ شأنَ هذا الإمام! إنه شبيهُ المصطفى في خلُقه.. وهو الذي يقْـفو أثـرَه ولا يُخْطئ.. والذي يـملأ الأرض عدْلًا.. ويـُحْيي به الله السّنن التي أُمِيتتْ...

         فالإمامُ المهدي إذنْ هو صاحبُ الحقّ في زمان الباطل، و أنا أتساءل : أفمنْ يهدي إلى الحقّ أحقُّ أن يـــُتَّـبع أمَّن لا يـَـهْدي إلا أن يــُهْدى ؟؟؟

                   فيا ليْتَ قوْمـي يعْلــمون مــخبوءاتِ وصاياه ومكنــوناتِ تعالــيـمــه!

سيدنا عيسى صامب

اللجنة العلمية

 

 سورة النور ؛ الآية : 54-   [1]

  - قالهما الشيخ الخديم في تائيته الشهيرة "حق البكاء"[2]

  - أورده البرزنجي في "الإشاعة لأشراط الساعة" ، ط1 ، دار ابن حزم ، بيروت ، 2003 ، ص : 182[3]

  - محيي الدين ابن عربي : الفتوحات المكية ؛ الفصل : 366[4]

  - محمد بن رسول البرزنجي : الإشاعة لأشراط الساعة ؛ ص : 248[5]

  - سورة القلم ؛ الآية : 4[6]

  - قالها الشيخ الخديم في قصيدته الشهيرة "مقدمات الأمداح في مزايا المفتاح".[7]

  - رواه البيهقي في "البعث والنشور".[8]

  - محمد بن علي الصابوني : المهدي وأشراط الساعة ؛ ط1 ؛1981 ؛ ص : 18[9]

  - البيت مقتبس من همزية شرف الدين الإمام البوصيري.[10]

  - أخرجه أبو داود و الترمذي من حديث ابن مسعود.[11]

  - عبد المحسن العباد : الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي ؛ ط 1 ؛  142 ه ؛ ص : 88[12]

  - و ذلك في قصيدته الشهيرة المنشودة " آخر الزمان ".[13]

  - رواه مالك في الموطإ تحت رقم "3 ".[14]

  - أخرجه ابن المنادي في الملاحم عن علي كرّم الله وجهه.[15]

  - محمد بن رسول البرزنجي : الإشاعة لأشراط الساعة ؛ ص : 153[16]

  - قالها لباس محمد الصغير غاي في رائيته الرائعة.[17]

سيدنا عيسى صامب

اللجنة العلمية

  • Facebook Social Icon
  • Twitter Clean
  • w-googleplus
  • YouTube Social  Icon

مصمم الموقع مام الحسن ديوب

Mentions légales Copyright ALL RIGHTS RESERVED © 2017 Groupe Almahdiyou.org

This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now