top of page

الإصلاحات والتعاليم

بعض إصلاحات إمام الله المهدي

لقد كان إمام الله بعد أن كان مهديا من ربه هاديا إلى الصراط المستقيم، ومصلحا اجتماعيا كبيرا، وكان أكبر إصلاحاته يرتكز فيما يلي:

التربية:

لقد أولى إمام الله للتربية بأنواعها اهتماما بالغا في حركته الإصلاحية؛ إذ هي أساس كل صلاح وهداية ، ولذا بدأ بالطفل في البيت فأوصى أصحابه بتربية العيال في البيت وتسمية الأولاد أسماء الصاحين وتعليمهم ، فقال :"أوصيكم بالعيال كلكم راع ، وكل راع مسئول عن رعيته" وألح في هذه المسئولية العظيمة التي يؤدي التنازل عنه إلى العقاب والهلاك ؛ فذكر قصة من يجره أولاده يوم القيامة بين يدي الله يقولون له :"يا ربنا خذ حقنا من والدنا هذا، لم يسمنا من أسماء الصالحين، ولم يؤدبنا، ولم يعلمنا شيئا من كتاب الله، ولم ينهنا عما نهى الله عنه، ولم يأمرنا بما أمر الله به، بل تركنا نفعل ما نشاء من القبيح"[25].

فبمجرد قيام الوالدين بمسئوليتهم تلك، نصل إلى إيجاد مجتمع رشيد في المستقبل إذ يتلقى الطفل قبل خروجه إليه تربية صالحة، ويكتسب خصالا نبيلة مع علوم نافعة تزينها آداب حسنة.

وقد أمر أصحابه بختان الأولاد صغارا ليتمكنون من المساهمة في الحياة الدينية والاجتماعية مبكرين، وليحارب تلك العادات السيئة التي كانت تجرى في تلك المناسبات من رقص واختلاط وغناء.

وإلى جانب ذلك طلب منهم تزويج البنات في تلك المرحلة؛ ولهذه الوصية أهمية قصوى في التربية، لأن البنات يمثلن أهم جزء من المجتمع، وفي إعدادهن صلاح المجتمع كله ، كما قال أحمد شوقي[26]:

الأم مـدرسـة إن أعددتهاأعـددت شعبا طيب الأعراق

مما لا يدع مجالا للشك أن فساد المرأة يظهر غالبا في سن المراهقة، عند كونها عازبة " حرة" تسعى وراء شهواتها، وتعرض نفسها في سوق الزواج. وكثيرا ما تدفعها الرغبة في الزواج إلى التبرج وإظهار مفاتنها لجلب الأنظار إليها مع كل ما يتبع ذلك من حلول الزنا والسفاح وانتشار الأمراض البدنية والقلبية.

وربما ذلك ما دفع إمام الله إلى أن يأمر تلاميذه بتزويج البنات صغارا لينجين من عواقب العزوبة، وليتمكن الوالد مراقبتهن، وتقييد حريتهن في سلوكهن ولباسهن

وترددهن وغيرها.

فبهذا يعد الطفل اللهيني في أسرته ، فيكون بذلك مهيئا ومحصنا للدخول في الحياة الاجتماعية بدون خطر.

وعلى هذا الأساس، أدمج إمام الله المرأة والطفل في الحياة الاجتماعية الدينية، على خلاف ما كان يحدث قبل دعوته من اعتقاد عبادة المرأة طيرا والطفل خطرا على حياته، فلما جاء سوى في العبادة بين الذكور والإناث والكبار والصغار، وقال :" واعلموا أن الدين سواء فيه الصغير والكبير، والرجال والنساء"[27]

  ولذا خصص إمام الله للنساء مكانا في المسجد يصلين فيه وراء الرجال. ولم يكن ذلك موجودا في البلاد في تلك الفترة، ولكن اليوم لا ترى مسجدا إلا وفيه مكان خاص للمرأة. فكان ذلك أكبر مساهمة في المساواة الحقيقية بين الجنسين.

وإلى جانب ذلك قام إمام الله بإزالة الخلق السيئة التي كانت سائدة في المجتمع ، والتي ترجع إلى حب الدنيا وما فيها، فقال :" ومن يريد أن يكون ذا تبع لي فليترك الدنيا وما فيها"[28] فجعل أول شرط للدخول في طريقته التجافي عن متاع الحياة الدنيا وزينتها. وهذه النزعة الزهدية نجدها في جميع خطبه ووصاياه . قال في موضع آخر :" ولا تكاثروا مال الدنيا بل تكاثروا خير الآخرة هو الذي يورث النعم المؤبدة والدرجة الرفيعة، ولا تحرصوا على الدنيا لأنها، جيفة والجيفة لا يأكلها إلا الكلاب والنشور، فاتركوها لأنها دار خراب زوّال وزوالها قريب..."[29]

ولو تحرينا الدقة في هذا القول الوجيز لوجدناه حلا لأكبر مشكلات المجتمع، فجميع الآفات الاجتماعية – أو على الأقل أكثرها ـ يرجع إلى ميل الناس الدنيا على حساب الآخرة. باعوا دينهم بغرض من دنياهم، فلم يراعوا في أموالهم الحلال ولا الحرام، ولم يراعوا في أعمالهم وأقوالهم المعروف ولا المنكر. فكل همهم يرتكز على الدنيا والوصول إليها بكل وسيلة؛ فلسفتهم في ذلك "الأهداف تبرر الوسائل؛ ولذا انتشرت الرشوة فيهم والسرقة والاختلاس والكذب والخداع والوشي والنميمة والقتل وأكل أموال الناس بالباطل وما إلى ذلك؛ وأصبحوا يتآكلون كالحيتان في البحر من أجل متاع الحياة الدنيا، متاع الغرور.

هذه هي الحالة المؤسفة التي يعيشها العالم اليوم، ولو عملوا بوصايا إمام الله المهدي لأنقذهم منها كما أبعد أسلاف أتباعه عن ذلك كله.

وقد كان يحثهم كل يوم عن اجتناب الرذائل قائلا :"وأوصيكم بترك الغيبة والنميمة، والكذب، والخيانة، والحكاية الكثيرة لغير محبكم، والحسد، والبغض، والكبر، والعجب، وأخلصوا لله العمل"[30] أليس هذا أمراض المجتمع اليوم؟

وقد أعطى إمام الله تلاميذه ما يستعينون به للتجرد من تلك الآفات ، والتقرب إلى المولى وهو كثرة ذكر الله في كل لحظة. وفي ذلك يقول :" ولا تغفلوا عن ذكر الله حيث كنتم فإنه يذهب السيئات ويكثر الحسنا ت (...) واذكروا الله في كل مكان لأن الأماكن تشهدكم يوم القيامة"[31]

وعلى هذا الأساس جعل إمام الله ذكر الله شعار طريقته، وأعطاه الله أفضل الذكر لا إله إلا الله نظموها في كل الأوزان والبحور و يرددونها في كل زمان ومكان، قبل الصلاة وبعدها ، عند العمل، عند تشييع الموتى، وفي المناسبات الاجتماعية والدينية الأخرى ، فسمو بالولفية "بوالايين" أي أهل الله  كثرة تريددهم كلمة لا إله إلا الله؛ وقد نالوا بواستطها  خلاصا ووقارا، ومراتب..

ومن الجدير بالذكر أن إمام الله كان مثالا حيا لكل ما يأمر به تلاميذه وأول مطبق له، كما قال :" كلما أمرتكم به من العمل الصالح البدني، والقول الصالح اللساني إن شاء الله أكون أمامكم ولا تبلغونني فيه، فانظروا إلى واقتدوني في فعلي وقولي إن وفيتم أدخلكم طريقة النجاة "[32].

وإلى جانب هذا الصلاح الفردي أصلح المعاملات بين الأتباع، لخلق التوازن والمساهمة في تعمير الأرض.

التكافل الاجتماعي:

إن أول ما أشار إليه إمام الله المهدي من الناحية الاجتماعية هو التكافل والتعاون الاجتماعيين، وأكد ضرورتهما وكونهما مصدر رحمة الله ولطفه على عباده ، فقال :" اعلموا أيها المؤمنون أن المؤمن ألف مألوف عليه ومن لا يألف على الناس ولا يألف الناس عليه لا ينزل نصر الله عليه"[33] فالإنسان كائن اجتماعي يضطر إلى مخالطة الآخرين والتمازج بهم ومعاملتهم، فيربط بينهم علاقات مباشرة وغير مباشرة، ولكن مهما يكن من أمر يجب أن تقوم هذه العلاقات على أساس المحبة والتعاون والتماسك والإيثار ، كما أوصى بذلك إمام الله المهدي حيث قال :"وآمركم أيضا بأن تتآلفوا وتتعاونوا وتتزاوروا وتتشاوروا وتتحابوا في الله ورسوله في كل وقت وساعة"[34] وهذا ما يؤكده قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عن أنس " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه  ما يحب لنفسه"[35].

فإذا أردنا إيجاد مجتمع صالح مثالي لا بد أن نتحابب ونتعاون ونتساتر، وأن ينشغل كل واحد بإصلاح عيوبه دون الالتفات إلى عيوب الآخرين، ونحسن الظن في إخواننا وجيراننا، وأن نبتعد عن كل ما من شأنه خلق اختلاف أو تشاجر فيما بيننا لتحقيق الوحدة التامة كما دعا إلى ذلك المولى سبحانه وتعالى في قوله :(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) سورة آل عمران : الآية 107.

وعلى هذا الأساس جعل إمام الله المهدي أكبر همه توحيد المسلمين، واستئصال جميع مصادر الخلاف والتفرق في الحياة الدينية الاجتماعية.

التسامح واللاعنف:

أوصى إمام الله المهدي أتباعه بالابتعاد عن كل ما من شأنه خلق خلاف بين المسلمين أو تنازع، وقد تجلى ذلك في علاقاته مع المستعمرون كما سبق الإشارة إلى ذلك، وكذلك في تخاصم صغير حدث بين تلاميذه وأتباع الشيخ أحمد بمب في قرية "انكاخم"  حيث أرسل إليهم خطبة وقال فيها :"  سمعت أن بعضهم يتخاصمون مع أصحابكم الذين كانوا من تلاميذ الشيخ أحمد بمب وغيرهم. وهو وأنتم مسلمون، فواجب عليكم أن تكونوا إخوانا؛ والمؤمنون كلهم إخوة، وليس في الإسلام عداوة وبغضاء. واعلموا أن الدين النصيحة والمحبة والتعاون، ومنع في الدين الجدال والمراء، ومنع في الدين التسافل والتعايب والتنازع والتنابز. ولا تنازعوا إلا إلى الهدى والتقوى؛ وكلكم فليأخذ بسيده وملاذه، ويعمل بما أمر به، ويقتديه في خلقه، ولا تجعلوا الدنيا أمامكم، واتركوها وراء ظهوركم"[36]

وبهذا تمكن من إبعاد الفتنة التي كادت تدخل في صفوف المسلمين وتفرقهم في أمور يجب أن تكون مصدر تحالف، لا مصدر خلاف.

زيادة على ذلك، أمر إمام الله المهدي أتباعه بالابتعاد عن التنازع والتخاصم، والسعي إلى توطيد عرى الأخوة والوحدة بين المسلمين، ودعاهم إلى تسامح يفوق دعاوى التسامح واللاعنف المشهورة في العالم؛ فقال لهم :" إذا لقيتم ظالما فقطع سبحة أحدكم فلا يلتفت إليه، بل فلتكن همته فيأخذ سبحته، فإن منعه عن ذلك فليذهب إلى حال سبيله، وذلك خير من المخاصمة والمقاتلة والمشاتمة"[37].

فيا حبذا لو جعل المسلمون بذلك، لعاشوا فيما بينهم حياة هادئة مطمئنة مهما تباينت مذاهبهم، واختلفت طرقهم، ولتعايشوا مع الآخرين بصفة سليمة في هذا العصر يقتل فيه المسلمون في إفريقيا الوسطى ، والذي يُدعى فيه إلى الحوار بين الأديان وخاصة الحوار الإسلامي المسيحي.

مكافحة الطبقات الاجتماعية:

أوصى إمام الله المهدي أتباعه بإلغاء الكنايات لتوحيد المسلمين من جهة، ولمكافحة الخصومات والمقاتلات بين الطبقات الاجتماعية بصفة عامة، وبين القبائل بصفة خاصة من جهة أخرى. يقول الإمام محمد الصغير غاي في ذلك:" وعلى أن يكون المسلمين في الاتحاد أمر الإمام المهدي عليه السلام بإلغاء الكنايات التي توجب الكبر والاحتقار"[38].

فعلا، قد كانت هذه الكنايات والألقاب تحدث نوعا من الازدراء والاحتقار بين الطبقات، وبين القبائل. فكانت منها ألقاب تدعي أصحابها التعالي على الآخرين في النسب والمنصب، وينظرون إليهم بعين الازدراء والاحتقار. كما كان اللقب يكشف الطبقة الاجتماعية للفرد فيعكس ذلك على العلاقات الاجتماعية بالمنافسة، والمفاخرة، ورفض المصاهرة والتصالح وما إلى ذلك.

وإذا أمعنا النظر في وضع القارة الإفريقية مثلا، نجد أن معظم مشاكلها وحروبها ترجع إلى التعصب القبلي، ورفض قبول الآخرين. ولذا أمر إمام الله المهدي بإلغاء تلك الألقاب؛ وإرجاء الجميع إلى الكبير المتعالي مثبتا بأن اللقب ليس معيار الأفضلية، فالمعيار الوحيد هو التقوى كما قال تعالى :( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم  خبير) (الحجرات: الآية:13).

وهذا ما دفعه إلى ترك لقبه "اتياو" رغم كونه شريفا، والتساوي مع الجميع في مجتمع الناس فيه سواسية كأسنان المشط لا فضل لواحد على الآخر إلا بالورع والتقوى، في مجتمع أساسه التآلف والتراحم والتماسك...

تعمير الأرض:

في سبيل إصلاح الحياة الاجتماعية والدينية، أوصى إمام الله المهدي إلى تلاميذه بالسعي إلى ما يصلح المجتمع، والابتعاد عن كل ما من شأنه إدخال خلل فيه؛ فقال لهم "كونوا مشاة للخير وجلاسا للشر". فهذه الكلمات الوجيزة تكمن في أعماقها تعاليم ذهبية فيها صلاح المجتمع في كل المجالات. ولا ينبغي أن نفهم العبارة بصفة سطحية : فالمشي إلى الخير لا يقتصر على الذهاب إلى المساجد، وصلة الرحم وما إلى ذلك، بل يدخل فيه جميع الأعمال الخيرية: من بناء المدارس والمستشفيات، وحفر الآبار وإنشاء مؤسسات خيرية كما يذهب إلى ذلك الأستاذ لباس غاي في إحدى محاضراته حيث قال:" فالمشي إلى الخير هو المشي لفتح جمعيات خيرية وإنشائها لمحو شقاوة البشرية"[39]

والعكس جائز إذ يدخل في الجلوس للشر التنافي عن كلما يهدم المجتمع من التكتلات، والمخادعات، والاختلاس، والميسر، والمخدرات والفساد وما على ذلك. وهذا ما يؤكده الإمام المهدي في قوله "كونوا صلاحا ولا تكونوا فسادا" أي كونوا مصلحين ولا تكونوا مفسدين لأن الله لا يحب الفساد.

الحفلات الاجتماعية:

أما فيما يخص الحفلات الاجتماعية، والتي تشكل اليوم أكبر مناسبة للهو والتبذير، فقد أوصى الإمام المهدي تلاميذه أن يقضوها كما أمر به الإسلام، وأن يجتنبوا فيها اللهو والغناء والرقص؛ وعلى الزوج أن يسهر على ذلك وإلا سيحاسب عليه، فيقول الزوجة للمولى " هذا زوجنا (...) ولم ينهنا عن اللهو والرقص والغناء والفضول والكلام القبيح"[40]

بدلا عن ذلك، يجب أن يقضوها بذكر الله شاكرين أو صابرين.

ومن جهة أخرى نهاهم إمام الله عن التبذير وإنفاق أموال طائلة فيما لا يجب إلا غضب الله وسخطه. فيجب على اللهيني أن يكون مصلحا في كل مناسبة، مهتما بما فيه رضا الرحمن ومنفعة الأمة. فالحفلات الاجتماعية بالكيفية التي تحتفل بها على اللهو والغناء والتبذير متنافية مع تعاليم إمام الله المهدي، سواء في ذلك الوليمة والعقيقة حتى المأتم.

وقد خص إمام الله خطبة للمأتم يوبخ فيها تلاميذه، وينهاهم عن الاجتماع في دار الميت في المأتم، لأن ذلك قد يتعب أهل الميت، وقد يجلب الحرام في الطعام؛ فقال " بعد دفن الميت ورجوع الشياع وتعزية العيال والإخوان، فانتشروا وافترقوا وانصرفوا إلى دياركم"[41]

وذلك ما يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة جعفر في حديث عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم أو أمر يشغلهم"[42]

فليس من المعقول أن يجمع أهل الميت بين ألم الوفاة وحيرة النفقة. وقد يؤدي بهم ذلك إلى الاقتراض أو استخدام الحرام، كما يؤدي إلى التسافل والتباغض "فيقولون لم يأت فلان، وما رأينا فلانا، وفلان أتى ولم يعطنا شيئا، وفلان كذا كذا، وذلك ليس في الإسلام من شيء، هو غيبة وظلمة"[43]

وعلى هذا الأساس، نهى الإمام المهدي تلاميذه عن ذلك فقال :"لا تجتمعوا في دار الميت بعد وجوع الشياع، ومن أراد أن يتصدق عن الميت فليحضر قلبه ويتضرع إلى الله سبحانه بالدعاء له في البيت"[44]

 

الحث على العمل:

إن من أكبر واجبات المسلم العمل لدنياه ليجد ما يسد به حاجاته، ويدفعه عن ذل السؤال والتسول. وهذا العمل عبادة حثه الله عليها في كتابه العزيز حيث قال:(وإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) (سورة الجمعة : الآية 10)

وعلى هذا الأساس كانت لجميع الأنبياء حرف يحترفون بها للعيش من عرق جبينهم، لأن خير ما يأكل الإنسان ما يأكله من عمل يده؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عن المقدام رضي الله عنه :" ما أكل أحد طعاما قط خيرا  من أن يأكل من عمل يده"[45].

وقد كان صلى الله عليه وسلم راعي الغنم، وتاجرا وهو خير خلق الله أجمعين. وسيدنا إمام الله كان جامعا بين التجارة والفلاحة والصيد البحري. ومن ثمّ ربى أتباعه على العمل وأغراهم به. فكان يأمرهم بالعمل لأنفسهم، ويرسلهم إلى بساتين قومه ليزرعوا لهم بدون أجر يتقاضونه منهم[46]. فكان ذلك مساهمة كبيرة في محاربة الفقر ورفع الدخل السنوي للأفراد.

ومن جهة أخرى ألح الإمام المهدي في وجوب كون العمل عملا حلالا لا يتنافى مع روح الشريعة الإسلامية، فالغاية تقتصر على التحصل على رزق حلال طيب. وفي ذلك يقول:"لا تأكلوا إلا طيبا، ولا تركبوا إلا طيبا، ولا تلبسوا إلا طيبا، ولا تفعلوا في جميعا ما تنتفعون به شيئا إلا طيبا، والطيب هو الحلال؛ فإن أول ما يشق من بطن ابن آدم يوم القيامة الحرام، فإن المال يفسده الحرام فإن كأس دم يفسد صفحة لبن، وكذلك قليل من الحرام يفسد كثيرا من الحلال. وعلامة القبح للإنسان أن  يأكل ما يشتهيه ولا يبالي بحلاله ولا بحرامه وشبهاته".[47]

وعلى هذا الأساس يكون اللهيني مضطرا إلى مراقبة أمواله كي لا يفسده المال الحرام  كما يفسد الدم اللبن ، فيتجنب مصادر المال الحرام من السرقة، والربا، والميسر، والاختلاس، والمخدرات وأكل أموال الناس بالباطل وغيرها، ويجعل همه العمل بيده للتحصل على رزق طيب مبارك ينفع به نفسه وأسرته ويعين به الفقراء والمساكين.

وقد ألح الإمام في أوجه الإنفاق المال الطيب ، بأن يكون فيما يرضي الله ورسوله فقال:" ولا ينفعكم من مالكم إلا ما أكلتم فأفنى، وما لبستم فأبلى، وما قدمتم لله  ورسوله" وقد حارب في ذلك كل أنواع  التبذير والفساد، وكذلك البخل وادخار المال دون إنفاقه في المشاريع الخيرية وتعمير الأرض وتحسين أوضاع أفراد المجتمع.  وقد ألح في النفقة على الأسرة وأوسع دائرة الزكاة إلى الفواكه والرواتب الشهرية لكي يكون حلا نمحو بها الفقر والشقاوة في مجتمعاتنا.

هكذا عاش سيدنا إمام الله المهدي مصلحا اجتماعيا، ومرشدا كبيرا ربى قومه ونجح في إقامة مجتمع مثالي ، أساسه القسط والعدل والتحابب والتآلف، فأصبح أتباع يشار إليهم بالبنان لصلاحهم وصفائهم.

وقد انتقلت روحه الزكية إلى جوار ربه في ليلة الجمعة الرابعة عشر من شهر شوال سنة 1328 هـ موافقة 1909 م وكان في السادسة والستين من عمره، ثم دفن في موضع خلوته لصلاة الضحى في يُوفْ، في كثبان بالقرب من البحر يسمى "جَمَلاَي" Diamalaye  أي عافية الله، بعد أن صلى عليه خليفته الأول سيدنا عيسى روح الله.[48]

الأستاذ إبراهيم صامب

اللجنة العلمية

 

[25] ) إرشاد عبادالله إلى الصواب ، مصدر سابق، ص:9

[26] ) شاعر مصري حديث توفي في سنة 1932م، وتطغى النزعة الاجتماعية والتاريخية على شعره.

[27] ) المصدر نفسه ، ص:24.

[28] ) نفسه، ص: 27.

[29] ) إرشاد عباد الله إلى الصواب، مصدر سابق، ص:4.

[30] ) نفسه، ص: 8.

[31] ) نفسه ، ص:7.

[32] ) إرشاد عباد الله إلى الصواب، ص:8.

[33] ) المصدر نفسه، ص: 6.

[34] ) المصدر نفسه، ص: 27.

[35] ) راجع: البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت: دار ابن كثير 1987، ج:1، ص:74.

[36] ) إرشاد عباد الله إلى الصواب، مصدر سابق، ص:25.

[37] ) غاي، محمد الصغير، تذكرة الجماعة بعلامة الساعة، دكار: مطبعة الرأس الأخضر، ص:17.

[38] ) المصدر نفسه، ص:25.

[39] ) هو نجل الإمام محمد الصغير غاي، ذكر ذلك في محاضرة حول الحفلات الاجتماعية.

[40] ) إرشاد عباد الله إلى الصواب، مصدر سابق، ص:9.

[41] ) المصدر نفسه، ص:29.

[42] ) ابن ماجه، سنن ابن ماجه، بيروت: دار الفكر، ج:1، ص:514.

[43] ) إرشاد عباد الله إلى الصواب، مصدر سابق، ص:30.

[44] ) المصدر نفسه، ص:30.

[45]) صحيج البخاري، ج:2، مصدر سابق، ص:730.

[46] ) راجع "بشرى المحبين..." مصدر سابق، ص:32.

[47] ) إرشاد عباد الله إلى الصواب، مصدر سابق، ص:7.

[48] ) راجع غاي، محمد الصغير، تذكرة الجماعة بعلامة الساعة، دكار: مطبعة الرأس الأخضر، ص:24.

bottom of page